محمد جمال الدين القاسمي
264
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
قاصر النظر ، ضعيف العقل ، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كلّ محبوب . وهذه حال أكثر الخلق ، إلّا من صحت بصيرته - فإذا رأى ضعيف البصيرة ما في الجهاد من التعب ، والمشاقّ ، والتعرّض لإتلاف المنهجة ، والجراحات الشديدة ، وملامة اللوّام ، ومعاداة من يخاف معاداته - لم يقدم عليه ، لأنه لم يشهد ما يؤول إليه من العواقب الحميدة ، والغايات التي إليها تسابق المتسابقون ، وفيها تنافس المتنافسون . وكذلك من عزم على سفر الحج إلى البيت الحرام ، فلم يعلم - من سفره ذلك - إلا مشقّة السفر ، ومفارقة الأهل والوطن ، ومقاساة الشدائد ، وفراق المألوفات ، ولا يجاوز نظره وبصيرته آخر هذا السفر ، ومآله ، وعاقبته - فإنه لا يخرج إليه ، ولا يعزم عليه . وحال هؤلاء ، حال الضعيف البصيرة والإيمان ، الذي يرى ما في القرآن من الوعد والوعيد ، والزواجر والنواهي ، والأوامر الشاقة على النفوس التي تفطمها عن رضاعها من ثدي المألوفات والشهوات - والفطام على الصبيّ أصعب شيء ، وأشقّه - والناس كلهم صبيان العقول ، إلا من بلغ مبالغ الرجال العقلاء الألباء ، وأدرك الحقّ علما ، وعملا ، ومعرفة ، فهو الذي ينظر إلى ما وراء الصيّب ، وما فيه - من الرعد والبرق والصواعق - ويعلم أنّه حياة الوجود . التنبيه الثالث : قال القاشانيّ : « إنّما بولغ في ذكر فريق المنافقين ، وذمّهم ، وتعييرهم ، وتقبيح صورة حالهم ، وتهديدهم ، وإيعادهم ، وتهجين سيرهم وعاداتهم : لإمكان قبولهم للهداية ، وزوال مرضهم العارض . عسى التقريع يكسر أعواد شكائمهم ، والتوبيخ يقلع أصول رذائلهم ، فتتزكّى بواطنهم ، وتتنوّر قلوبهم ، فيسلكوا طريق الحقّ . ولعلّ موادعة المؤمنين ، وملاطفتهم إيّاهم ، ومجالستهم معهم - تستميل طباعهم ، فتهيج فيهم محبّة ما ، وشوقا تلين به قلوبهم إلى ذكر لله ، وتنقاد به نفوسهم لأمر الله ، فيتوبوا ويصلحوا ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلَّا الَّذِينَ تابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً [ النساء : 145 - 146 ] . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 21 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ( 21 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ لمّا ذكر اللّه علوّ طبقة كتابه الكريم ، وتحزّب الناس في شأنه إلى ثلاث فرق ، مؤمنة به محافظة على ما فيه من الشرائع والأحكام ،